ابن عربي
88
مجموعه رسائل ابن عربي
طبيعيا ، فكان أخصب أرض لأكرم بذر يلقيه أب مؤمن وقور حسن الظن باللّه . لم يكن أبوه سالكا ، ولكنه كان مؤمنا حسن النية ، يريد لابنه النبوغ ، وكان صديقا لابن رشد الفيلسوف ، وأراد أن يسلكه في مجلسه ، أما مواهب الفتى محي الدين لم تكن مستعدة للفلسفة النظرية ، بل كانت مستعدة لشيء أعلى قدرا ، وأغلى منالا هو فلسفة الروح وأعماقها وأغوارها التي عاش فيها منذ صغره حتى أصاب ابن رشد بخيبة أمل ، وحيرة قاتلة ، وهز إيمانه بفلسفته هزا عميقا وهو شاب لم يطر شاربه كما يقول . وأمه كانت ( رحمها اللّه ) لا ككل النساء تغار على ابنها من كل من يتعلق به من الرجال والنساء على حد سواء ، ولكنها كانت سيدة فاضلة رأت ابنها الشاب النابه يلزم خدمة سيدة من العارفات ذوات القدم العالي في المعرفة والسلوك ، هي فاطمة بنت المثنى القرطبي ، ويطرق سمعها أنها تقول لابنها محي الدين الفتى « نور - وهي أم الشيخ الأكبر - أمك الترابية ، وأنا أمك الروحية » ومع ذلك لا تأكل الغيرة قلبها ، بل تدفع ولدها إلى خدمتها رجاء بركتها ، وأملا في أن يبلغ ما تريد له من مجد وعز حققه اللّه لها مجيدا رفيا . البيئة إذن بيئة تنبض بوعي الروح ، ولا يستطيع منطق العقل أن يغلب منطق الروح في هذا الدم الرفيع الذي تدفق إلى الشيخ الأكبر منذ حاتم الطائي إلى الشيخ الطيب « علي » والسيدة الفاضلة نور والدي الشيخ الأكبر ، فلو كان منطق العقل يزن شيئا إلى جوار وعي الروح في أصول الشيخ الأكبر ، لكان الإبقاء على بعض المال أو جله هو المنطق الذي لا ينكره إنسان ، ولا يعارضه عقل يؤمن بالمحاسبات التجارية اليومية . ولكن حاتما وولده عديا لم يخضعا لهذا المنطق الرقمي في قليل ولا في كثير . وما أشبه صنيع حاتم - لولا أنه من أهل الجاهلية - بصنيع الكبار من أهل مقام التوكل والتفويض الذين لا يعتقدون صدق ملكيتهم لشيء في الوجود . وذلك نبع أصيل دون شك ماج في دم الشيخ الأكبر ، وحباه بوعي من الروح يوهب فينطلق لا تحده الحدود ، ولا تعجزه العقبات . ويكتسب فيخضع للعقبات ، ويتوقف أحيانا أمام منطق الحساب . وأقرب مثال للتعرف إلى فوارق الخصائص بين من يسبق فتحهم على سلوكهم ومن يسبق سلوكهم على فتحهم جوادان أصيلان ، أحدهما جلد عنيف قوي لا يعبأ بالحدود ولا السدود ، موفق في اجتياز الحواجز والعقبات ، لا يخونه